حسن البنا
52
نظرات في كتاب الله
أولا : استيعابه الشديد لمواضع الموضوع المتناول في القرآن الكريم ، واستقراؤه للآيات ، واستشهاده بها بطلاقة ، كما نرى ذلك في الموضوعات التي تناولها في حديث الثلاثاء الذي كان مشافهة ، أي بلغة الكلام ، لا لغة الكتابة ، ولغة الكلام أشقّ من لغة الكتابة ، من حيث الدقة ، والإحاطة بكل النصوص المراد تناولها ، فالكتابة تتّسم بالدقة ، وإعطاء الكاتب فسحة في مراجعة ما يقول والتثبت منه ، وندر من المتحدثين من يستطيع أن يقول كل ما يريد قوله في مجال الحديث ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . ثانيا : كما نلاحظ أن الإمام الشهيد اختار موضوعات يحتاج إليها المجتمع ، وتفرض نفسها على عقول الناس ، وبخاصة الشباب منهم ، فتلك الأحاديث كانت في فترة بدأ التحلّل والتفسّخ يستشرى في المجتمع ، وبدأت فتنة جذب الشباب إلى الأفكار الغربية الوافدة ، ولذا تناول الإمام الشهيد موضوع : الإنسان في القرآن ليجيب عن السؤال الملح الذي يسأله كل شاب - بعيد عن الله - لنفسه : لما ذا جئت ؟ وما رسالتي في الحياة ؟ ثم قضية المرأة التي كانت - ولا تزال - مثارة آنذاك ليبيّن نظرة الإسلام - من خلال القرآن الكريم - للمرأة ، وكيف كرمها وأعطاها حقوقها كاملة . وهكذا يلمس القارئ في النماذج التي تناولها البنا في أحاديثه أنها تعالج قضية مثارة ، ويدور حولها الحديث في الصحف والمجلات والأندية العلمية . ثالثا : أنه أسقط كل النماذج التي تناولها على الواقع ، ولم يقف عند حد التحليق في أجواء الآية ، والعيش في ظلالها ، دون أن يسقط ذلك على واقعه المعيش ، وليراجع القارئ مقالة : ( صفحة من الوطنية في كتاب الله ) والذي ختمه بقوله : وبعد ، فهي عبرة للشرق اليوم والتاريخ يعيد نفسه ، وإن داود الشرق لرابض بالمرصاد لجالوت الغرب لو وجد الأنصار المؤمنين فهلّا ؟ . ممن اقتبس البنا هذا المنهج ؟ لا أخفى على القارئ الكريم أنى عنيت بالبحث للإجابة عن هذا السؤال ، فالإمام الشهيد في تفسيره الموضوعي - على وجازة مادته - كان صاحب نظرة قوية للموضوعات التي تناولها ، سواء ما ننشره هنا ، أو ما نشر من قبل في كتاب ( أحاديث الثلاثاء ) الذي جمعه المرحوم الشيخ أحمد عيسى عاشور . كما كان الإمام الشهيد يربط بين السورة وما قبلها ، ويبيّن مقاصد السورة التي يتعرّض لها ليجعل منها وحدة موضوعية .